قبل شهور، جلست مع صديق في أحد المقاهي، لاحظت عليه إرهاقاً شديداً لم أكن أراه من قبل. كان يحدثني عن عمله بنبرة خالية من الحماس، وعيناه تخبرانني قصة مختلفة عما تقوله كلماته. “أشعر وكأنني أجري في مكاني، أعمل أكثر لكنني أحقق أقل”، قال لي بصراحة. هذا المشهد يتكرر يومياً في حياة الملايين حول العالم، وخاصة في عالمنا العربي حيث ثقافة العمل تحولت أحياناً إلى سجن نبنيه بأيدينا
ما هو الاحتراق الوظيفي حقاً؟
تخيل أن جسدك وعقلك مثل بطارية هاتفك المحمول. في البداية، تعمل بكفاءة عالية وتؤدي جميع المهام بسهولة. ولكن مع الاستخدام المفرط وعدم الشحن الكافي، تبدأ البطارية في التدهور تدريجياً حتى تصل لنقطة لا تعود فيها قادرة على الاستمرار. هذا بالضبط ما يحدث مع الاحتراق الوظيفي.
الاحتراق الوظيفي ليس مجرد تعب عادي يمكن إصلاحه بإجازة نهاية أسبوع. إنه حالة من الإرهاق الجسدي والعاطفي والذهني تنتج عن التعرض المستمر لضغوط العمل دون وجود وقت كافٍ للتعافي. منظمة الصحة العالمية اعترفت به رسمياً كظاهرة مهنية في عام 2019، وليس كمرض، لكن تأثيره على حياتنا يمكن أن يكون مدمراً.
كيف تعرف أنك تحترق؟
الاحتراق الوظيفي لا يحدث فجأة، بل يتسلل إلى حياتك تدريجياً مثل الضيف غير المرغوب فيه. إليك العلامات التي يجب أن تنتبه إليها:
على المستوى الجسدي:
- الشعور بالتعب المستمر حتى بعد النوم
- الصداع المتكرر دون سبب طبي واضح
- اضطرابات في النوم والأكل
- ضعف في جهاز المناعة والإصابة المتكررة بالأمراض البسيطة
على المستوى العاطفي:
- فقدان الحماس للأنشطة التي كنت تستمتع بها
- الشعور بالانفصال عن الآخرين وتجنب التفاعل الاجتماعي
- نوبات من الحزن أو الغضب غير المبرر
- الشعور بعدم التقدير أو الإنجاز مهما فعلت
- على المستوى المهني:
- انخفاض في جودة العمل رغم الجهد المبذول
- تأجيل المهام والمماطلة بشكل غير معتاد
- صعوبة في التركيز واتخاذ القرارات
- الرغبة المستمرة في الهروب من العمل
طرق عملية للتخلص من الاحتراق الوظيفي
1. ضع حدوداً واضحة
تعلمت من تجربتي الشخصية أن وضع الحدود ليس أنانية، بل ضرورة. ابدأ بخطوات بسيطة:
- حدد ساعات عمل واضحة والتزم بها
- لا تجب على الايميلات أو الرسائل المتعلقة بالعمل بعد ساعات الدوام
- تعلم أن تقول “لا” للمهام الإضافية عندما تكون مثقلاً بالأعباء
- اجعل هاتفك في وضع صامت أثناء وقت الراحة
- 2. مارس الرعاية الذاتية بجدية
- الرعاية الذاتية ليست ترفاً، بل استثمار في قدرتك على الإنتاج والعطاء. جرب هذه الطرق:
- النشاط البدني: حتى لو كان مجرد مشي لمدة 20 دقيقة يومياً، فالحركة تحرر هرمونات السعادة وتقلل من التوتر
- تقنيات التنفس: عندما تشعر بالضغط، توقف لدقيقتين وتنفس بعمق. اتبع قاعدة 4-7-8: تنفس لمدة 4 ثوانِ، احبس أنفاسك لـ7 ثوانِ، ثم اخرج النفس لمدة 8 ثوانِ.
- النوم الجيد: أهمية النوم لا تُقدر بثمن. اجعل غرفة نومك مكاناً مقدساً للراحة، وتجنب الشاشات قبل النوم بساعة على الأقل.
في النهاية، أنت تستحق حياة أفضل
الاحتراق الوظيفي ليس علامة ضعف أو فشل، بل إشارة إنذار من جسدك وعقلك أن شيئاً ما يحتاج للتغيير. في عالم يمجد “الاشتغال أكثر”، كن شجاعاً واختر “الاشتغال بذكاء”.
تذكر أن التغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها. كل خطوة صغيرة تتخذها نحو رعاية نفسك هي استثمار في مستقبل أكثر إشراقاً وإنتاجية. العمل جزء من حياتك، وليس حياتك كلها.
ابدأ اليوم، ولو بخطوة واحدة. صحتك النفسية والجسدية أهم من أي مشروع أو هدف مهني. وفي النهاية، عندما تعتني بنفسك جيداً، ستجد أن قدرتك على العطاء والإنجاز تتضاعف بشكل طبيعي.



