في كل مرة أجلس فيها مع شخص يشتكي من تعب داخلي لا يعرف له اسما، أكتشف أن جزءًا كبيرًا من الألم لم يكن ناتجًا عن صعوبات الحياة، بل عن شعوره بأنه يمشي وحده. الغريب أننا نعيش في زمن مكتظ بالبشر، لكنه في نفس الوقت مليء بالقلوب التي تعيش العزلة دون أن تنتبه لذلك.
ولعلّ من أكثر الأسئلة التي أطرحها على طالبي الاستشارة:
“من آخر شخص تحدثت معه دون أن تخاف من الحكم عليك؟”
وغالبًا ما يكون الصمت هو الجواب.
العلاقات ليست رفاهية… إنها حاجة نفسية أساسية
نحب أن نعتقد أننا أقوياء بما يكفي لنحمل كل شيء وحدنا، لكن علم النفس — والتجربة قبل العلم — يقولان شيئًا آخر:
الفرد الذي يعيش داخل شبكة من العلاقات الدافئة، سواء كانت عائلية، صُحبية، أو حتى علاقات عابرة للمكان والثقافة، هو فرد أقرب إلى التوازن، وأقدر على تحمل صدمات الحياة.
العلاقة الصحية لا تحتاج ثراءً، ولا ثقافة عالية، ولا انتماءً طبقيًا معيّنًا.
يكفي أن يكون هناك إنسان يستمع، وآخر يشعر بأن صوته مسموع.
هذا وحده كفيل بأن ينقذ شخصًا من الانهيار، ويعيد إليه القدرة على رؤية جوانب النور في حياته.
كيف تؤثر العلاقات على صحتنا النفسية؟
1. العلاقة تمنحك مرآة صادقة
عندما نتعامل مع أشخاص يحبوننا بصدق، نرى أنفسنا من خلالهم:
نقاط قوتنا، ضعفنا، ونسختنا التي نريد أن نكون عليها.
الإنسان ينمو بالنفس، ولكن يتوازن بالآخر.
2. العلاقة تقلّل من الضغط النفسي
هناك دراسات لا تُعد ولا تُحصى، لكنني لا أحتاجها دائمًا، لأنني رأيت بأم عيني:
الطالب الذي تحسن تركيزه فقط لأنه شعر أن معلمه يؤمن به…
الأم التي هدأت نوباتها القلقية بعد أن أصبحت تتحدث لصديقة كل صباح…
والشاب الذي أُخرج من العزلة لأنه وجد شخصًا يسمع إليه دون أن يسخر منه.
الضغط النفسي لا يزول كله، لكنه يصبح خفيفًا حين يُشارك.
3. العلاقة تعلّمنا إنسانيتنا
عندما نتواصل مع أشخاص من طبقات مختلفة، ثقافات مختلفة، تجارب مختلفة…
نبدأ نفهم أن العالم أكبر منا، وأن اختلاف الناس نعمة وليس تهديدًا.
العلاقة تربي فينا التواضع، التقبل، والرحمة.
وهنا يكمن جوهر الصحة النفسية للمجتمع:
مجتمع يرحم… هو مجتمع يشفى.
المشكلة… أننا بدأنا ننظر لبعضنا من بعيد
صرنا نرى الفروق المادية قبل أن نرى الإنسان.
نقيس قيمة الشخص بلباسه، بسيارته، بمستواه الدراسي…
ونسينا أن أقوى علاقة في حياتنا ربما تُبنى مع إنسان بسيط لا يملك الكثير، لكنه يملك قلبًا يسمع.
نحتاج أن نعيد النظر…
ليس لأن العلاقات رفاهية عاطفية، ولكن لأنها سياج يحمي الصحة النفسية:
يحمي الفرد من الانهيار، ويحمي المجتمع من التفكك.



